الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
528
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ويجوز أن يكون الكلام مستعملا في النهي عن أخذ المال الخبيث ، فيكون الكلام منصرفا إلى غرض ثان وهو النهي عن أخذ المال الخبيث والمعنى لا تأخذوه ، وعلى كلا الوجهين هو مقتض تحريم أخذ المال المعلومة حرمته على من هو بيده ولا يحلّه انتقاله إلى غيره . والإغماض إطباق الجفن ويطلق مجازا على لازم ذلك ، فيطلق تارة على الهناء والاستراحة لأنّ من لوازم الإغماض راحة النائم قال الأعشى : عليك مثل الذي صلّيت فاغتمضي * جفنا فإنّ لجنب المرء مضطجعا أراد فاهنئي . ويطلق تارة على لازمه من عدم الرؤية فيدل على التسامح في الأمر المكروه كقول الطرماح : لم يفتنا بالوتر قوم وللضّ * يم رجال يرضون بالإغماض فإذا أرادوا المبالغة في التغافل عن المكروه الشديد قالوا أغمض عينه على قذى ؛ وذلك لأنّ إغماض الجفن مع وجود القذى في العين . لقصد الراحة من تحرّك القذى ، قال عبد العزيز بن زرارة الكلائي « 1 » : وأغمضت الجفون على قذاها * ولم أسمع إلى قال وقيل والاستثناء في قوله : إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ على الوجه الأول من جعل الكلام إخبارا ، هو تقييد للنفي . وأما على الوجه الثاني من جعل النفي بمعنى النهي فهو من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه أما لا تأخذوه إلّا إذا تغاضيتم عن النهي وتجاهلتموه . وقوله : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ تذييل ، أي غني عن صدقاتكم التي لا تنفع الفقراء ، أو التي فيها استساغة الحرام . حميد ، أي شاكر لمن تصدّق صدقة طيّبة . وافتتحه باعلموا للاهتمام بالخبر كما تقدم عند قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ [ البقرة : 223 ] ، أو نزّل المخاطبون الذين نهوا عن الإنفاق من الخبيث منزلة من لا يعلم أن اللّه
--> ( 1 ) الكلائي نسبة إلى الكلاء بوزن جبار محلة بالبصرة قرب الشاطئ . والكلاء الشاطي . وهذه الأبيات قالها بعد أن مكث عاما بباب معاوية لم يؤذن له ثم أذن له وأدناه وأولاه مصر ، وقبله : دخلت على معاوية بن حرب * ولكن بعد يأس من دخول وما نلت الدخول عليه حتى * حللت محلة الرجل الذليل